حيدر حب الله
123
مسألة المنهج في الفكر الديني
أصلًا ، وهذه المخاوف جرّت بعضهم إلى تصوّر أن القرآن الكريم يمثل كتاباً علمياً كيميائياً فيزيائياً طبياً ، ثم ظهر اتجاه يعطي الشرعية لهذه المقولات انطلاقاً من كون القرآن تبياناً لكلّ شيء ، حتى ظهرت أخيراً جماعة « فرهنكستان قم » في إيران ، تدّعي وجود جميع العلوم في القرآن ، على شبه ما ذهب إليه الغزالي ( 505 ه - ) في كتابه « جواهر القرآن » ، ووصل الحال إلى إصدار كتاب تحت عنوان « البرنامج الكمبيوتري التوحيدي » ، والذي يدّعي وجود نظام كمبيوتري على أساس مفهوم التوحيد . وبعيداً عن تحديد مدى صدق هذه المقولة التي يرفضها العديد من العلماء الآخرين ، إلا أنها حاولت أن تعطي للقرآن دوراً في الحياة من خلال إدراجه في مصادر المعرفة العلمية ، ما دام هذا النوع من المعرفة هو السائد ، وكنتيجة طبيعية لذلك صار من الضروري إنهاض النص وتثويره لكي يضخّ بالمعطيات العلمية . لكننا عندما نقرأ التجربة بعد تراجع ضغط تلك المرحلة ، سنجد - بهدوء أعصابنا - أن الكثير من هذه التفاسير - وليس جميعها - كان تحميلًا لا ينسجم مع قواعد اللغة العربية أو بلاغتها أو ظهورها الطبيعي ، وهذه التجربة ستصبح منطلقاً لنا لندرس واقعنا الفعلي والمستقبلي على ضوئها ؛ لنطبّقها في تجارب أخرى نقع فيها ، وهذا ما نلاحظه اليوم بالضبط ، إذ التيارات المتعددة تحاول في ظرف ضغط الواقع السياسي أو الاجتماعي هنا أو هناك أن تستنطق النصّ القرآني لصالحها ، والتجارب السابقة سوف تعطينا قناعة بأن نتائج قراءة خاضعة للضغط بهذا الشكل ستكون خاطئة بدرجة عالية ، وهو ما سيجعلنا أكثر انضباطاً ، بل أكثر شكّاً في صحّة ما توصلنا إليه ، وأكثر تواضعاً مهما كان اتجاهنا الذي نميل له ؛ لأن نتائج قراءة النصّ في ظروف كهذه تقول التجربة عنها : إنها خاطئة في كثير من الأحيان ومتسرّعة وتحميلية وما شابه ذلك . ولا نريد من هذا المثال الانتقاص من قيمة التفسير الطبيعي العلمي للنصّ القرآني الذي لا ننكر اشتماله على موضوعات علمية ، كما لا نريد ادعاء